Mar 25, 2021 429
980 79

القتل غير المقدس!

لما كنت شابًا يافعًا وقرأت لأول مرة في تاريخ كنيسة العصور الوسطى؛ أعني كنيسة المسيح يسوع؛ أو هكذا تسمى! كانت تأمر بقتل المعتبرين منحرفين إيمانيًا من وجهة نظرها؛ إغراقًا في النهر؛ أو حرقًا وهم أحياء! مثل المبشر المعارض جون هِس وغيره؛ حتى كاد جاليليو أيضًا أن يحرق حيًا؛ لولا أنه تنازل مؤقتًا في المحاكمة عن فكرة دوران الأرض! وكانت حجتهم في حرقه؛ أن سفر المزامير يقول فيه الخالق عز وجل: يارب أنت ثبّت الأرض! وهذا معناه أن كلام الله يثبت أن الأرض ثابتة!! وأن جاليليو لابد من حرقه حيًا لأنه يقول أنها تدور! 

 

أنا لا أسرد لكم قصصًا من ألف ليلة وليلة؛ ولكنه تاريخ أصحاب العصمة والقداسة البابوية الذين يحلون في الأرض والسماء؛ والذين لا يقوى الله نفسه على غفران خطايا من لم يغفروا هم أولًا له! وتساءلت آنذاك كيف صدعت الناس بالخنوع لجماعة من الطغاة والقتلة بهذا الغباء المتناهي؛ دون أن يثوروا عليهم؟!

 

 فلما كبرت وعايشت أمثالهم في شرقنا المحافظ؛ ثار نفس الحنق والغضب في نفسي؛ وأنا أرى بعيني صاحب الغبطة والقداسة والصولجان؛ يحرق معنويًا ويدمر إنسانيًا أساتذته وزملائه ناهيك عن مرؤوسيه وضحاياه الذين بلا عدد؛ بل زاد من حيرتي ليس فقط خنوع الضحايا على إختلاف رتبهم؛ بل حيرني بالأكثر حماسة المشجعين والمدافعين عن الظلم والطغيان وقد مات كل حس وتمييز وضمير! والباقون خائفون!

 

فكرت كثيرًا وطويلًا في هذه الأحجية المتحدية للعقل الإنساني حتى عثرت على الإجابة؛ وهي أن كل هؤلاء قتلوا مبكرًا في حريتهم وفي إرادتهم وفي إنسانيتهم وفي كرامتهم؛ قتلوا وعلامة موت عقولهم وإنسانيتهم أنهم صدقوا قاتليهم حينما أقنعوهم أن الله لا يغفر للمؤمن خطاياه؛ إلا إذا غفرها له الكاهن أولًا! بعد أن يعترف له بها! وهكذا استسلموا بكامل إرادتهم واعين لقاتليهم؛ ساجدين لهم ومقبلين أقدامهم وأياديهم!

 

وهنا تذكرت كلمات الشاعر : "أسمعت إذا ناديت حيًا؛ ولكن لا حياة لمن تنادي"