Sep 24, 2021 123
980 79

ذهبت في شبابي لافتقاد رجلاً شيخًا مريضًا، وكان الرجل متوجعًا من ألمٍ لم أعرف سببه في ذراعه، التي كان ممسكًا بها واضعًا اياها على صدره، دون أن يكف عن الأنين من الألم، فيجيب عن السؤال دائمًا بكلمة: نحمد الله، ثم تعقبها أنات الألم وهكذا.
 

وفي منتصف الزيارة دخلت سيدتان من خادمات الكنيسة المجاورة لزيارة الرجل المريض، وبعد الترحيب بهما جلستا تبشرانه من الإنجيل، ولأن الرجل لم يكن يكف عن الأنين؛ فقد اندفعت أحداهن تُشجعه وتواسيه قائلة: لا يهمك يا عم عزيز من الألم، فهذا الجسد سوف يفنى وينحل، وسوف تذهب إلى أفراح السماء وأمجادها. وكان الرجل المتألم يجيبها بعبارات تتخللها الأنات بين كل كلمة وكلمة مصدقًا على ما تقوله.

 

انتهت الزيارة وخرجتُ كاسف البال على الحال الذى انتهت إليه مسيحية هؤلاء المسيحين وطريقة فهمهم للإنجيل، وكيف تعامل المسيح له المجد مع آلام الإنسان وأوجاعه، فلم يأت إليه مُتألمًا لأى سبب من الأسباب، وتركه بآلامه واعدًا إياه بتعويضات الله وبركات السماء، بل كانت استجابته الحاسمة لمرض الإنسان وألمه هي أن ينزع سبب الألم ويشفيه من المرض فيصير صحيحًا مٌعافى، ولم يأت إليه جائعًا ومحتاجًا، فأوصاه بالصوم والصلاة والصبر على الجوع، حتى ينال الخيرات في جنة السماء، ولكنه كان يكسر ويبارك الخبزات لإشباع الجائعين حتى أنه لما أقام ابنه يايرس من الموت، ورأى أنها كانت هزيلة بسبب فترة المرض، قال لهم أن يعطوها لتأكل، ولم يتعامل مع الهزال بأسلوب المعجزات ولا بالأصوام، ولكن تعامل معه بطريقة عملية بإطعام الجسد الهزيل ليتقوى.

 

وكما فعلت هاتان المبشرتان مع العجوز المريض من الاستهانة بآلامه باسم وعود وبركات السماء؛ هكذا فعل الكهنة ومعلمي الشريعة في أيام المسيح، أنهم استهانوا باحتياج الإنسان وراحته مقابل تنفيذ أحكام الشريعة، ظانين أنهم بهذا يسرون الله؛ غير فطنين إلى أن مسرة قلب الله هي سعادة الإنسان وراحته وسلامه وفرحه، لهذا قال لهم المسيح: أن السبت (الشريعة) قد جُعل لأجل الإنسان، وليس الإنسان هو الذى جُعل لأجل الشريعة؛ ووبخ معلمي الشريعة على قسوتهم على الإنسان باسم الشريعة قائلاً: "ويل لكم أنتم أيها الناموسيون! لأنكم تُحملون الناس أحمالاً عسرة الحمل وأنتم لا تمسون الأحمال بإحدى أصابعكم." (لوقا ١١ : ٤٦) – "فاذهبوا وتعلموا ما هو: إني أريد رحمة لا ذبيحة، لأني لم آت لأدعو أبرارا بل خطاة إلى التوبة" (متى ٩ : ١٣)

 

لهذا كان المسيح له المجد يجول يصنع خيرًا ويشفي المتسلط عليهم من إبليس، ويشفي كل مرض وضعف فى الشعب "لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها." (إشعياء ٥٣ : ٤)

 

ولم يكتف المسيح بأن كان وهو في أيام جسده يجول يشفى المرضى ويريح المتعبين، بل إنه وشح تلاميذه وخدامه الأمناء بهذا السلطان عينه، إذ قال له المجد: "الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضا، ويعمل أعظم منها، لأني ماض إلى أبي." (يوحنا ١٤ : ١٢)

وحينما أرسل تلاميذه ليبشروا أمامه في المدن التي كان مقررًا أن يأتي إليها، أعطاهم سلطانه وقال لهم: "اشفوا مرضى. طهروا برصاً. أقيموا موتى. أخرجوا شياطين. مجانا أخذتم، مجانا أعطوا." (متى ١٠ : ٨)    
 

لقد كانت إرسالية تلاميذ المسيح ورسله كما يشهد سفر أعمال الرسل: موشحة بأعمال المسيح وسلطانه مع خدامه؛ فكانوا يشفون المرضى، ويريحون المتعبين، ويصنعون القوات والمعجزات، لتسديد الاحتياجات وحل مشاكل الإنسان؛ وكانت هذه الأشفية والقوات التي يصنعونها لأجل احتياج الإنسان تشهد بصورة عملية وفعالة عن محبة الله التي يبشرون بها بين الناس، وتعبيرًا عمليًا عن استجابة الله وإشفاقه وتحننه على احتياجات وآلام وأنين الإنسان.
 

فهل تشهد كرازتنا بإنجيل المسيح في هذه الأيام عن محبة الله بطريقة عملية، ترفع الألم والحزن والوجع عن الإنسان المتألم؛ أم أننا نبشر بالكلام وبالوعود الزائفة!؟ 
 

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "المسيح كما أعلنه الإنجيل" اضغط عالرابط التالي
https://anbamaximus.org/articles/JesusAsTheGospelRevealed.php