Oct 16, 2021 297
980 79

التفكير ليس ممنوعًا (١٢) | أسياد وعبيد!

العصور التي شهدت مولد الشريعة والديانات كانت عصور العبودية، التي عكست بسبب ثقافة أهلها، صورة العبودية في المجتمع، وصورة العبودية في الحكم على صورة العلاقة بين الله والإنسان على اعتبار أن الله هو ملك الكون، ومن ثم فقد أسقطوا على ملك الكون صورة ملوكهم وشيوخ قبائلهم، ومجتمعاتهم القائمة على العبودية.

 

الفقهاء والمشرعين الذين عاشوا في العصور الغابرة؛ هم الذين ما تزال أفكارهم وفتاويهم تحكم عقول الكثيرين باسم الدين، وهم الذين ما تزال مناهجهم الفكرية هي التي تُدرس لطلبة المعاهد الدينية في العصور الحاضرة، وهم الذين يتشبث رجال الدين القمعيين بأفكارهم، ويفرضونها بنفس منطق العبودية والتخلف المُنصرمين على رعيتهم.

 

الشريعة التي أُعطيت بيد موسى النبي قبل ستة آلاف سنة في ظروف إنسانية واجتماعية متأخرة على بعد القرون منا؛ لم يطرأ عليها أي تغيير أو أي تطوير، ليس فقط بما يتناسب مع عصرنا المتطور؛ بل وأيضاً بما يتناسب مع التكميل والنقلة التي أحدثها المسيح، للارتقاء بالشريعة القديمة إلى آفاق تعاليمه المجيدة؛ حتى أنه في الوقت الذي طورت الدولة العبرية (إسرائيل) من فهمها وتطبيقها للشريعة، ما يزال فقهاء المسيحيين ومعمميهم يدافعون عن نجاسة المرأة الحائض في عصر صار في كل بيت حمامات المياه الساخنة والباردة، وكل أشكال المنظفات والمطهرات غير المسبوقة!

وعلى هذا القياس فإن كثير من الموروثات اليهودية الضاربة في القدم يتداولها فقهاء المسيحيين، ويدافعون عنها بصفه أنها أقوال الله التي لا تتغير؛ في الوقت الذي فيه يغيرون أقوال المسيح له المجد المتعارضة والمتناقضة معها. إنها العبودية!

 

العبودية التي يعاني منها مجتمعنا هي مزيج من عبودية العقل والضمير. فالموروثات صارت غير معقولة ولا مقبولة للإنسان المعاصر، مع الرغبة في التحكم والتسلط على الآخرين باستخدام هذه المورثات واستعباد ضمائرهم بها، لنجد أنفسنا مرة آخري أمام مجتمع الأسياد والعبيد، ولكن هذه المرة فإن الاسترقاق ليس هو وسيلة تسلط الأسياد على العبيد، ولكنه استعباد الضمير للمُستَعبَدين، والتمييز الكهنوتي باسم الله وباسم سلطان الله للساده المُستَعبِدين.

 

التاريخ لا ينسى ولن ينسى أن البابا جريجوري السابع حرم الملك هنري الرابع، وأن هنري الرابع قد وقف ثلاثة أيام وثلاثة ليالي في الطل في حديقة القصر البابوي بلبس الغفران؛ حتى سُمح له بالدخول إلى حضره البابا، والاعتذار ونوال الحل والمغفرة.
 المشهد الأخير كما يخبرنا التاريخ هو أن هنري الرابع جمع الأساقفة في وقت لاحق، وحرم وعزل جريجوري السابع: إنه الانتقام بعد الإذلال!

 

الصورة العبثية -التي ترسمها قصه هنري الرابع وجريجوري السابع- تجسد معنى استعباد ضمير الإنسان من رجل الدين، بينما ما قام به هنري الرابع نحو جريجوري السابع في نهاية عمره، لا تمثل أبداً معنى الصحوة أو يقظه الضمير أو تحرر العقل الإنساني من الاستعباد والخداع، ولكنها تعبر عن الانتقام ومجازاة الشر بالشر؛ فمقاومة وتحدي مارتن لوثر للبابا في عصره، هي يقظة واستفاقة للضمير والإرادة وحريه الإنسان؛ لذلك فقد نجحت ثورة لوثر على استعباد الضمير؛ في تحرير عقول وضمائر الكثيرين حول العالم؛ فيما لم ينجح انتقام هنري الرابع لا في تحرير ضميره ولا ضمائر الآخرين.

 

الأسياد والطغاة المتسلطين لن يتركوا الغنيمة مجاناً، ولن يدعوا مُستَعبَديهم يفلتون من بين أيديهم؛ بل سيظلوا يمارسون القهر والقمع معاً للعبيد، حتى يظلوا عبيداً؛ ويظل هم السادة!

الذين ينتظرون رحمه الأسياد، أو يقظة لضمائرهم، أو انتهاء تسلطهم واستعبادهم بموتهم؛ هم أناس سُذج وواهمون، فالنظام الديكتاتوري القمعي يُورث لديكتاتور قمعي آخر.

مُكلف الأشياء ضد طباعها، ملتمساً في الماء جذوة نار. ومن يطالب من قد استُعبدت ضمائرهم بالثورة على العبودية والقمع، هو أيضاً مخدوع وواهم، فالعبيد لا يثورون أبدا ولا يعرفون ما هي الثورة؛ بل وإذا جاء بينهم من يقودهم الى الثورة، لثأروا عليه هو! فالعبيد لا يعرفون ماهي الحرية، لأنهم لم يتذوقوها يوماً.

 

لا يمكن الإطاحة بالأسياد القمعيين المتسلطين؛ إلا بثوره العبيد المُستَعبَدين منهم، عليهم؛ ولا يمكن للعبيد أن يثوروا يوماً إلا إذا نجح قادراً على أن تحرير الضمائر المستعبدة من الاستعباد والتسلط، وأن تقول للمستعبد و للظالم: لا.

وهذه هي بداية الطريق إلى الحرية، فلا حريه لمُستَعبَد، إلا بتحرير الضمير من العبودية أولاً.

 

"وتعرفون الحق، والحق يحرركم." (يوحنا ٨ : ٣٢)