Nov 02, 2021 314
980 79

التفكير ليس ممنوعًا (٢٥) | الخيانة والاختراق!

محاولات التهويد باختراق العقل المسيحي واسترداد المسيحيين -الذين كانوا في الأصل يهود- إلى حفظ الناموس والشرائع اليهودية؛ قديمة قدم المسيحية منذ نشأتها، والصراع الذي سجله الرسول بولس في رسائله الذي دار بينه وبين التهويديين من أجل الدفاع عن حق الإنجيل، لم ينتهي ولم يتوقف من العصر الرسولي حتى يومنا هذا.

هدف التهويديين هو ألا تموت اليهودية بسبب المسيحية التي اجتاحت العالم المعروف وقتها، من أورشليم واليهودية حتى أنطاكية وأسيا الصغرى، وكان اهتداء شاول الطرسوسي طعنة قوية لليهودية، إذ بات يدافع عن الإيمان بالخلاص بالمسيح بدون أعمال الناموس، بعدما كان يدافع عن الناموس واليهودية ويُتلف الإيمان المسيحي، ومن ثم فمن اليوم الأول فهم اليهود والمسيحيون معاً: أن الإيمان بالمسيح يعني نهاية عصر الناموس واليهودية معاً.

وإذ قد فشلت محاولات اليهود في الضغط على المسيحيين، ومحاولات استردادهم لحفظ الناموس، مع انتشار المسيحية في كل مكان؛ فقد تغيرت استراتيجيتهم من محاولة إيقاف الإيمان بالمسيح وتوقيف المسيحية إلى الاكتفاء بألا تموت اليهودية على أيدي المسيحية والمسيحيين، بأن تلصق اليهودية بالمسيحية بمنطق أن تكون المسيحية وأن تظل اليهودية قائمة وموجودة إلى جوارها.

كان من أوضح حركات الاختراق اليهودية للإيمان المسيحي في الكنيسة الغربية هو إضافة الأعمال إلى جوار الإيمان بالمسيح للخلاص؛ الأمر الذي تصدت له ثورة الإصلاح بقيادة مارتن لوثر للتأكيد على أن الخلاص بالإيمان بالمسيح وحده؛ لكن التاريخ ليس دائما في صالح المُصلحين، وقد أدى اختلاف مارتن لوثر مع رفاقه في مؤتمر مارمبرج إلى انقسام حركة الإصلاح، وانفرط عقد الوحدة والسيطرة على الأمور وهنا جاءت الفرصة السانحة للتهويديين لاختراق المسيحية من داخلها، ساعدها على هذا أن الضغوط التي مارسها يهود ألمانيا لعدم طباعة العهد الجديد منفرداً، إلا بإضافة التناخ اليهودي إليه (التوراة، النبييم، الكُتبيم)؛ أن المسيحيين استسلموا للضغوط واطلقوا اسم العهد القديم من عندهم على التناخ اليهودي، واضيف التناخ اليهودي إلى العهد الجديد في مجلد واحد سنة 1455م.

الاختراق الجديد هنا بدأ في القرن التاسع عشر بتكوين كتلة مسيحية جديدة، نشأت وترعرعت في جنوب غرب إنجلترا، منفصلة عن الكنيسة الكالڤينيّة، لكي يقوموا قادتها بإعادة كتابة لاهوت مسيحي جديد وتفسيرات جديدة لكتب العهد القديم والجديد؛ ثم يتحركوا بالانتشار داخل اطار الكنيسة البروتستانتية ويسمموا أفكار الكنائس البروتستانتية على تنوعها بهذا اللاهوت الجديد، الذي لا تخطئ العين المباشرة أنه حركة تهويديه بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ ولما جاء البروتستانت الأوربيين إلى أمريكا كان فيروس التهويد والنظريات التهويدية للعهد الجديد قد استشرى في ربوع وعقول الكنيسة البروتستانتية في أمريكا، معتمدين في ذلك على الكتب والمطبوعات من ناحية، وانفصال الحركة البروتستانتية عن كتابات الآباء الأولين منذ وقت مبكر من ناحية أخرى.

الاختراق والخيانة لم ينجحا في تهويد الكنيسة في العصر الرسولي، ولكنهما نجحا في العصر غير الرسولي الذي رُفِعَتْ فيه كل الضوابط والمرجعيات، ورفع الخونة المُخترِقين، راية المسيحية البروتستانتية المتحررة، لكي يطمسوا على حق الإنجيل بالناموس القديم، الذي أفسح لليهود الحق في قتل الفلسطينيين واغتصاب أرضهم تحت راية تحقيق وعود الرب بعودتهم لأراضيهم، وهكذا اصطبغ العدد الأكبر من الكنائس البروتستانتية في أمريكا والإرساليات التي خرجت منها إلى أنحاء العالم، من تفسيرات وشروحات اليهودية وبالتراث اليهودي وتمجيد إسرائيل واليهود، على حساب حق إنجيل المسيح!

لماذا لا يستفيق المسيحيون من مكيدة التهويد وخيانة المسيحيين من أبنائها الذين رفعوا راية المسيحية البروتستانتية مع أنهم كانوا في الواقع يغدرون بالمسيحية وبالإنجيل وبالعهد الجديد؟!

كان الأكثرين من مختلف الكنائس حتى قراءة هذه السطور يتوهمون بأن الكتاب المقدس الذي بين أيديهم قد تسلمته الكنيسة من الرسل، بينما كرز الرسل للأمم الوثنية بنوال الخلاص بالإيمان بالمسيح بدون أي إشارة إلى نبوات العهد القديم التي كان يبشر اليهود بها، لأن الوثنيون لا يؤمنون بالأنبياء، ومنذ أن تمت كتابة وتجميع العهد الجديد بالصورة التي وصلت إلينا حتى عكف المسيحيون في كنائسهم المختلفة على قراءة العهد الجديد والتلمذة له حتى جاء تاريخ اختراع الطباعة وضم التناخ اليهودي إلى العهد الجديد المسيحي.

لماذا لا ينصاع المسيحيون إلى حكمة الآباء الأولين في قراءة العهد القديم بعيون العهد الجديد، وأن الكنيسة المسيحية حلت محل إسرائيل القديم؛ وأن خلاص البقية التقية من الشعب اليهودي لن يتأتى طبقاً للإنجيل، إلا بقبولهم يسوع المسيح رباً ومخلصاً وهذا معناه انضمامهم للكنيسة المسيحية، وبغير الإيمان بيسوع المسيح رباً ومخلصاً فلا خلاص لأحد -طبقاً للإنجيل- يهودياً كان أو وثنياً أو أي شيء آخر.

الادعاء بوجود تدبير للشعب اليهودي للخلاص، بخلاف تدبير الخلاص بالإيمان بيسوع المسيح، وقبول المسيحيين لهذا الادعاء، هو برأيي خيانة وإنكار لإنجيل المسيح وليسوع المسيح.

 

       " حَتَّى مَتَى تَعْرُجُونَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ؟ إِنْ كَانَ الرَّبُّ هُوَ اللهَ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْلُ فَاتَّبِعُوهُ». " (1 مل 18: 21).

 

       "فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَ جَمِيعِكُمْ وَجَمِيعِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ، أَنَّهُ بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِذَاكَ وَقَفَ هذَا أَمَامَكُمْ صَحِيحًا. هذَا هُوَ: الْحَجَرُ الَّذِي احْتَقَرْتُمُوهُ أَيُّهَا الْبَنَّاؤُونَ، الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ»." (أع 4: 10-12).

 

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "التفكير ليس ممنوعًا" اضغط عالرابط التالي

https://anbamaximus.org/articles/ThinkingNotForbidden.php